( ماذا بعد الكيف ..؟ / ( تجربة مدمن )
قراءة منهجية تحليليةـ حول اثر القات على متناوليه ـ وفق فرضية (الانتقال الحضاري )
قلما تجد بحث عن القات يخلو من موضوع " انفصام الشخصية " الذي يحدثه القاتعلى متناوليه.
ومتناول القات يمر بمراحل مختلفة الطبع والمزاج , منذ أن يشرع فيتناول القات إلى أن يخلد إلى النوم , ناهيك عن طبيعته العادية قبل تناول القات.
وأبرز حالات الانفصام ـ والتي سنتعرض لها هنا ـ هي حالة متناول القات أثناءتناوله للقات.. وهي حالة (الكيف), والبعض يسميها ب " الساعة السليمانية " التيتنتاب متناول القات, والتي تبدأ بعد ساعة أو ساعتين من تناول القات.. وهي حالةانسجام وانطواء, ينفرد خلالها متناول القات بذاته , سواء كان معه قرناء أو بمفرده في المجلس. الحالة الثانية والتي يمكن أن نسميها ب " الساعة السأماية " ـ من السأم أومن العناء (!) ـ وهي الحالة التي تنتاب متناول القات بعد أن يخرج القاتمن فمه.
وسنقارن بين هاتين المرحلتين (..) حتى نتمكن من رؤية الازدواجيةأوالانفصام يحدثه الذي يحدثه القات على متناوليه.
فمنذ بدء تناول القات حيثتبدأ الثرثرة والحديث والأخذ والرد والكلام في مختلف القضايا القريبة والبعيدة (.. ,. .) , وبعد ذلك يكتنف الجلسة جو من الهدوء ومن الانسجام , يكون مدعاة للدخول إلى " الساعة السليمانية" . ويسود الهدوء والصمت جو الجلسة.
وتجد متناول القاتيطلق بصره إلى هناك , تعتقد أنه يحدق في تلك الصورة أو في ذلك المنظر الذي على مرمىبصره في المجلس.. لكنه في الحقيقة غير موجود في المكان. !
إنه يسبح في عالمهالخاص.. عالم ينشده هو.. يعرفه هو.. لا يعرفه أحد غيره. !
وتراه يلوح بيده ـبالإشارة ـ أي أنه يشرح الفكرة التي في رأسه بالإشارة.. حيث أن مرحلة الساعةالسليمانية مرحلة " تأملية " , وربما أن السبب في ذلك هو مرجع الحكم , حيث أنمرجعية الحكم أو الاحتكام إلى " العقل الباطن " خلال هذه المرحلة.. والصور التي فيذهن متناول القات في هذه اللحظات صور مصطنعة من خياله الخاص ـ أو من مقتنيات العقلالباطن ـ.
وينفرد متناول القات بذاته ووجدانه وتفكيره , أي أنه يحب الانطواءبعقله وليس بجسده ـ أي يُرحب بوجود قرنائه من متناولي القات شرط الهدوء والصمت ولاللحركة ـ.
وتجده يشرد بخياله ويفقد إحساسه وإدراكه بمن حوله , لكنه سرعان مايعود من شروده ويدرك من حوله.. ثم يقوم بتناول أوراق القات ويشعل حبة السيجار وكأنذلك مصدر طاقة جديدة لشرود جديد (حيث أنه لا يدرك مصدر تلك الفكرة التي في باله ـفكره ـ والتي يعيشها بمفرده).
وصورة هذه الفكرة تتوسع وتتوضح مع كل شرود.. وكأنها مركبة من بعد زماني ومكاني في آن.. ومع تعدد شرود متناول القات, تتوضحالفكرة وتتجلى , ويزداد زمن فترة كل شرود عن الذي قبله.. ومع كل شرود يحاول متناولالقات أن ينسجم أكثر , ويشعر بابتهاج أكبر.. وارتياح ينتابه بنسمات تكسبه سعادةواطمئنان.. وتجده يريد البحث من انسجام أكبر , ويكره أي شيء يغير من انسجامه.. بليفضل الشرود, والشرود الطويل والهدوء والصمت (نحو السكون).
كما لا يحب أنتدخل إلى رأسه أي فكرة فهو يبني فكرة واحدة , في مجال يتوسع في كل مرة مع توسعوتوضح للفكرة.. وتجده وكأنه يتصعد إلى أعلى , حتى أنه يغير قليلا من جلسته , لأنفكرته كالفقاعة أو البالون تطفو إلى أعلى.. ويفعل ذلك بلا شعور.
ومع كل شروديشعر بألم في رأسه , وتصدع , ويمسح العرق من على رأسه , ويكون العرق الأكثر علىرأسه لأن مرجع ذلك المجهود يعود إلى العقل الباطن , أي أن الجهد يقع على الدماغ.
وفي نهاية مرحلة " الساعة السليمانية " يصل متناول القات إلى أطول وآخر شرود.. حيث يكون أطول شرود منذ بداية الساعة السليمانية. !
وعند نهاية الشرود الخيرتجد متناول القات يتنفس الصعداء.. وذلك بما يمكن أن نسميه ب (ولادة الفكرة)، لكنها ولادة معنوية.
وهنا تنتاب متناول القات حالة من (الثقة بالنفس) , بعدأن وصل إلى ما وصل إليه ـ من وضوح للفكرة ـ , ويزيح آخر عرق من رأسه.. كما وأنهيشعر برغبة في الخروج من المجلس لتحقيق تلك الفكرة عمليا. ونشير أنه إذا أضافأي كمية جديدة من القات فإنها لا تصنع أي انسجام, كما وأنه يرفض أي انسجام جديد.. وكأن القات انتهى مفعوله وإن أضاف كمية جديدة مهما كان نوعها أو حجمها. !
وهنايخرج القات من فمه.. ويخرج من المجلس ويذهب ليحقق تلك الفكرة عمليا.. وفي هذهالأثناء تبدأ المرحلة الأخرى وهي مرحلة " الساعة السأمانية".
والمرحلةالسأمانية مختلفة ومناقضة للمرحلة السليمانية.. وباسطرادنا لهذه المرحلة كمااستطردنا السابقة , فإن متناول القات يبدأ بالتعبير عن الفكرة بالحركة بعكس السابقةالتي كان التعبير عنها بالإشارة , وحيث أن السليمانية تأملية فإن السامانية " حسية " ـ وجودية ـ ومرجع الحكم أو الاحتكام فيها إلى القلب ـ القلب الواعي إن صح التعبيرـ وذلك لأنه يكون مدرك للفكرة بوعي لكنها تتقلب أو تتغير وذلك بسبب تقلب القلب.. أي أنه يشعر باستيعاب ووعي للفكرة لكن سرعان ما يختفي ذلك الاستيعاب وذلك الفهم منباله ـ من فكره ـ والمشكلة أو الصورة هنا تكون مشكلة قريبة وواقعية تمسه وتمس وضعهالمعيشي.. أي ليست كما في المرحلة السابقة.
ومتناول القات هنا لا يحب الانطواءبتفكيره أو بعقله فقط , بل الانطواء والهروب بجسده.. ويكون شرود متناول القات فيهذه المرحلة عكس المرحلة السابقة حيث أن الشرود الأول ـ خلال السامانية أطول منالشرود الثاني , والثاني أطول من الثلث وهكذا.
وخلال هذه المرحلة تقل الشهيةللأكل بعكس السابقة حيث تزيد, ولكن لأكل القات.
وكلما خرج من شرود فإنه يجدالفكرة تزيد قتامة وعتمة, وكأن الفكرة عبارة عن لفيف من المادة والفراغ يزيدالتفافاً حول نفسه, حيث أن المشكلة واقعية وتمسه هو ولا تتعداه.
ومع كل يقظةيشعر بضيق وكدر واكتأب, ويحاول أن يشرد لأنه يعتقد أنه يأخذ الحلول من هناك ـ منالباطن أو من اللاشعور ـ ويأتي بها إلى الواقع ـ واقعه ـ حيث ترتبط المشكلة بحياتهالخاصة.. أي بعكس السابقة ـ السليمانية ـ فإنه عند اليقظة من شروده وكأنه يفكر فيالحل ويأخذه إلى اللاشعور ويبني الصورة التي في خياله , أما في السأمانية فإنه يأتيبالحل من اللاشعور إلى الواقع.
بمعنى أنه خلال السليمانيه تتوضح الفكرة أكثر معكل شرود جديد لأن زمن الشرود الجديد أكبر من الذي قبله , لكن خلال السامانية فإنالمشكلة تتعقد أكثر لأن زمن الشرود الجديد أقل من الذي قبله.
أي خلالالسليمانية يريد الهدوء والصمت من اجل الانسجام والوصول إلى حالة (الكيف المثالية)،لكن خلال السأمانية يريد الحركة والرقص على إيقاعات صاخبة من أجل أن ينسالمعانة التي يعيشها. وفي كل مرة تتعتم الرؤية أمامه وتجده يريد إدخال أكثر منفكرة إلى رأسه لان من خلالها قد يجد الحل المناسب , بعكس السليمانية حيث يعتقد أنالمصدر مادي لذلك فإنه يتناول أوراق القات بعد العودة من شروده. (أي المشكلة خلالالسليمانية تغذيتها مادية , وخلال السأمانية المشكلة حسية وتغذيتها معنوية).. وتجده وكأنه يهبط إلى أسفل ويزداد ثقلا ومادية. (بعكس السابقة).
وخلالالسأمانية يكون الرشح من على جسده لأن مرجعية الحكم خلالها إلى القلب.. وتجده يدق على صدره (.!).
وبعد آخر شرود في مرحلة (الساعة السأمانية) وهو أقل شرود.. يصل إلى أطول فترة يقظة.. وتكون ذات صفاء ذهني تجده يشعر بالارتياح لكنه مصحوببإعياء وخمول ـ وبإحساس بالخوف وعدم الثقة ـ.. وجسده لا يقوى على الحركة.. ويفضلحينها الخلود إلى النوم.. ويرمي بجسده على الفراش , حيث يريد الهروب من العالم كلهـ أي بعكس السليمانية حيث في نهايتها يصل إلى ثقة بالنفس وحب للحركة والمواجهةلتحقيق تلك الفكرة التي وصل إليها ـ.
لكن في نهاية السأمانية يفضل الوحدةوالنوم.. وهنا تبدأ مرحلة جديدة. .!!!
ملاحظة : هذا الموضوع نشر في جريدةالحياة في العدد (16202 ) .
أخوكم صادق العزي
الجمعة، 17 أكتوبر 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق