الخميس، 16 أكتوبر 2008

استحالة قبام بحث علمي عربي .. لماذا ؟؟؟

استحالة قيام (بحث علمي عربي).. لماذا ؟
********************************

استحالة قيام (بحث علمي عربي).. لماذا ؟ فرضية (الانتقال الحضاري) [ 1ـ 3 ] .

لو تساءلنا عن المبادرات والندوات والمؤتمرات الداعية لإقامة (بحث علمي عربي) في مجال التكنولوجيا والأبحاث التطبيقية – التجريبية – وما ينتج عنها من اتفاقيات وما يتمخض عن ذلك من توصيات – الشبه سنوية إن لم نقول السنوية – واسترها بنا للزخم الراديكالي – إن صح التعبير – الذي يطلقه القائمون على ذلك من مثقفين وأكادمين وأساتذة وباحثين، فإننا نتوقع حينها قيام ثورة علمية عربية (جامحة)، وشيكة الحدوث لا محالة ( ( *.
ونحن هنا لا نستنكر الهيجان العاطفي والمقصد العظيم لهذه " الثلة النيرة " في مجتمعنا العربي.. بل أننا نلهث وراء كل شاردة وواردة تخطرهم، وننهد وراء كل نفس يتنفسونه. إن ما نعول عليه هو ممكنة حدوث ذلك.. إذ ليس كل ما يجب ممكن. !
فهذه المؤتمرات تنقصها النظرة البعدية، حول إمكانية التحقيق. وهذه النظرة البعدية تنقسم إلى قسمين.. قسم قريب وقسم بعيد. والنظرة البعدية القريبة تتمثل فيما يلي :

1- قلة الباحثين المتخصصين، وإن وجدوا فإن أغلبهم يعمل في مجال التدريس، حتى أنهم لا يجدون المتسع من الوقت، لتنمية معلوماتهم ومتابعة الجديد في نفس مجال التخصص. وكذلك قلة العائد المادي – الراتب – الذي بالكاد يغطي نفقات الأسرة.
2- لغة التلقي.. حيث أن لغة العلم – المنشود - هي الإنجليزية. إضافة إلى أن لغة المصلحات هي اللغة اللاتينية. وهذا يؤدي إلى صعوبة التلقي (..).. بمعنى أن المطلب الأول هو " التعريب "، وبذلك نختصر نصف المسافة، وربما أكثر، ومنه أيضاً ستكثر الشريحة العلمية – والمتابعة – وقد تصل هذه العلوم إلى أن تكون ثقافة عامة.
3- قلة الإمكانيات والموارد لكثير من الدول العربية، حتى أنها تخصص من ميزانيتها لدعم البحث العلمي.
4- اختلاف الأيدلوجيات والتوجهات السياسية بين الكثير من الدول العربية – إضافة ترسيم الحدود (..) – ينأى عن تعاون عربي حقيقي مشترك في هذا المجال.
5- الاستعانة بالغرب وخصوصا القوى المهيمنة.. ويأتي ذلك من خلال الاستعانة الفنية، سواء من خلال الخبراء أو من خلال الآلات (المطلوبة).. ومن جانب آخر، هو أن هذه الدول تحدد المدى الذي يجب أن يصل إليه البحث العلمي ( العربي ).. وهذا الشيء لا يجهله اثنان، ولا يجهل أحد أسبابه.

النظرة البعدية (البعيدة) :
لا شك أن النظرة القريبة مدركة للجميع , ولا أظن أن جزئياتها غائبة عن أذهان " الثلة النيرة".
لكن يظل حس الانتماء متَقد للحاق بالركب الحضاري , بل وبالسبق.. وهو هاجس الجميع.
لكني أشك أن تكون النظرة البعدية (البعيدة) مدركة.. حيث بعدها كوني .. أي أن إشكالية تحقيق (بحث علمي عربي) في المجال , أو في المجالات المذكورة، تحجبه أبعاد كونية.
لماذا. .؟
لأن الحضارة العربية حضارة (فكرية) أساسها (الدين) , أما الحضارة الغربية فهي حضارة (مادية) أساسها (الفلسفة).
وباستقراء بسيط للحضارة العربية فإن أبرز ظهور لها جاء على إثر ظهور الإسلام.. أي أننا لن نستقري مراحل أخرى للحضارة العربية قبل الإسلام, ليس لأن ذلك لن يسعفنا وحسب , بل لأن استدلالنا بالحضارة العربية منذ ظهور الإسلام دليل كافي.. وهو المطلوب. يمكننا أن نفند الفكر الإسلامي إلى ثلاثة تيارات : (التيار المثالي) و( التيار العقلي) و( التيار المادي).
التيار المثالي: ويمكن وصفه بالتيار (الثابت).. وهو ما عُرف ب (أهل الحديث) (الذي كان دوما يشكك في جدوى أساليب الحجج الكلامية والمنطق الفلسفية) [ 1] (وكان دوما يرفض الخوض في مسائل البحث في الإلهيات و طبيعة الخالق والمخلوق وتفضل الاكتفاء بما هو وارد في نصوص الكتاب والسنة) [1] ومن مسميات التيار (المثالي) (أهل الحديث) و( أهل السنة ) و( السلف), ويعرف علم الحديث بأنه كل ما أضيف – أو نُقل – عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية [9] وهذا التيار يسير بحركة مستقيمة (ثابتة) منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.. ومن أعلام هذا التيار الإمام أحمد
ابن حنبل , وذلك في مسألة خلق القرآن أمام المعتزلة الذين تقولوا بخلق القرآن.
ومن بعده جاء شيخ الإسلام ابن تيمية (الذي كان رافض للفلسفة ولكل عمل فلسفي.. وكذلك في رده على المنطقين) [1].. حتى أن خوضه العميق من أجل الرد على المنطقين ونقده للفلسفة اليونانية أدى إلى (بناء فلسفة جديدة مهدت للنقلة من واقعية الكلي إلى أسميته) [1].
وكثيراً ما نتصور هذا التيار بطريق مستقيم بدايته يكون خال من أي تعثرات أو شوائب , وعلى مر العقود تتراكم حوله الشوائب حتى تكاد تختفي ملامحه , فيظهر من يجدده كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم .

(التيار المادي):

إ ذا قلنا أن هناك تيار مادي في الفكر الإسلامي فما هي الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا التيار ؟
هل السبب هو التطور في الاستدلال العقلي الذي انتقل من أساليب منطقية ولغوية.. إلى مناهج عقلية تعتمد على التجربة والمشاهدة ؟ أم أن السبب هو التأثر بالفلسفة اليونانية التي تبحث عن الأصل المادي للكون بعيداً عن الدين ؟ لاسيما وأن هناك تأثير متبادل بين الشرق والغرب.. بانتقال المعرفة تارة بتارة ؟ كما لا ننسى دور الفلاسفة المشاءين ( وهم الفلاسفة المسلمين الذين تبنوا الفلسفة اليونانية، فقد كان مرجعهم الأول هو التصور الأرسطي أو الأفلوطيني الذين كانوا يعتبرونه متوافق مع نصوص وروح الإسلام) [1] ؟
أم أن السبب هو المنشأ لاسيما وأن إيران ظلت حقبة زمنية طويلة زمزاً للوثنية ؟ حيث كان أبو بكر الرازي (864-923) - مؤسس هذا التيار - طبيبا بارعاً ومديراً لمستشفى في إيران.. الذي وُصف بكونه ذو تيار رفض إقحام الدين في شؤون العقل ورفض في الوقت نفسه نظرة أرسطو للميتافيزيقا.. قال الرازي إن من المستحيل أن يكون منشأ المادة عبارة عن كينونة روحية.. كان الرازي مقتنعاً أن التحليل العقلي والمنطقي هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى المعرفة وعليه فإن الكثير من المؤرخين لا يعتبرون الرازي مسلماً بالمعنى التقليدي للمسلم ويرى الكثيرون أنه كان الانعطافة الحقيقية الأولى نحو الفلسفة والفيلسوف كما كان يُعرف بالحضارة اليونانية) [1].
(التيار العقلي) (*-1) :

تجسدت حقيقة (التيار العقلي) بظهور علم الكلام الذي (كان يستبد أساساً على النصوص الشرعية من قرآن وسنة وأساليب منطقية لغوية لبناء أسلوب احتجاجي يواجه به من يحاول الطعن في حقائق الإسلام) [1].. كما أن (علم الكلام كان محاولة للتصدي للتحديات التي فرضتها الالتقاء بالديانات القديمة التي كانت موجودة في بلاد الرافدين) [1].
ويمكن القول أن التيار العقلي أنقسم منذ البداية إلى قسمين طولي وعرضي.. الطولي وهم الذين قالوا أن العبد مجبور في أفعاله لاختيار له.. وهم الجبرية (الجهمية) أتباع الجهم ابن صفوان.. ويمكن تصنيف الأشاعرة والصوفية من هذا القسم. والعرضي وهم المعتزلة (القدرية) لإنكارهم القدر.. ويمكن تصنيف الإسماعيلية والزيدية والشيعة إلى هذا القسم.. وبشكل عام فإن الفرق المتشيعة لآل البيت تمثل التيار العقلي.
ونقول أن (الدين) كان بمثابة بعد زمني عند (أهل) التيار العقلي.. وهذا التيار يقع بين التيار المثالي والتيار المادي الذي تجرد عن الدين بالكلية – لكن الازدواجية رجعت كما سنرى – حيث كان ارتباط الفرق التي رافقت ظهور التيار (المادي) وتصورها أشبه بتصور الميتافيزيقا.
مع مرور الزمن كانت الفرق – العقلية – تزداد مادية , وتأثر بالفلسفة, مثل تأثر الإسماعيلية بالفلسفة الرومانية فعند أفلوطين كان يرى أن هناك إلهين إله متعالي وإله صانع.. وهو ما أخذته الإسماعيلية من أن هناك إلهين متعالي وإمام الزمان (. .) [2] [10].
ونقول أن هذه الفرق كانت تلتقي حيناً وتفترق حيناً آخر – كما سنرى - وكان ينتج عن ذلك فرق جديدة , وهذه الفرق – الجديدة - بالرغم من صفاتها المستقلة إلا أنها كانت تحتفظ ببعض من خصائص الفرق التي تكونت عنها [3]. وفرق التيار العقلي – القسم العرضي – وصلت في انقسامها وتشعبها إلى قيمة عظمى بدأت بعد ذلك بالهبوط [3]. ونشير أن حركة التيارين (العقلي) و( المادي) حركة موجية - صعود وهبوط - بعكس حركة التيار (المثالي) المستقيمة.
وعند وصول التيار العقلي إلي قيمة عظمى , يحدث ما يمكن تسميته بالثورة.. حيث يقع تصادم مع التيار المثالي , و يقع في الوقت نفسه انقلاب (كوني).. أو بهذا المعنى [4]. مثال ذلك ما وقع مع الإمام أحمد والمعتزلة. والتصادم نوعان , نوع بسيط مثل التصادم بين فرق التيار الواحد, ونوع شديد الأثر وهو الذي يقع بين تيارين مختلفين.
وبانحسار التيار العقلي يبدأ ظهور التيار (المادي) , ومع نمو التيار (المادي) تنمو وتترعرع فرق القسم الطولي.. ويكون الوصول إلى قيمة عظمى.. حيث تصل هذه الفرق في تشعباتها إلى حد الذروة.. تحدث ثورة أخرى وانقلاب آخر نتيجة تصادم هذا التيار مع التيار (المثالي).. مثل ما وقع بين ابن تيمية والصوفية.. [3] و [4].
ونشير أن التشعب المشار إليه يشبه التشعب الشجري – أي تشعب الشجرة – فالتيار (العقلي) , الذي انقسم إلى قسمين (عرضي) و (طولي) , فإن القسم العرضي انقسم إلى قسمين , قسم اتجه نحو العلم – العقلي – المجرد , وقسم اتجه نحو دراسة الدين , ويصدر عن ذلك ثلاثة اتجاهات : الأول يزداد في التجريد – العلمي - العقلي , والثاني يجمع بين الاثنين , والثالث يخوض في التعمق في دراسة الدين أكثر – نحو الباطن – مثل (ألإسماعيلية) التي انفصلت عن (الشيعة).. ومن هنا جاءت الفرق وكثرت المسميات [3] [4].
وظهر ذلك واضحاً على القسم (الطولي) , الذي – يمكن القول أنه - تبلور فيما بعد إلى التيار (المادي).. ومعروف أن التيارين العقلي والمادي يقدمان العقل على النقل.
وإذا كانت غاية القسم (العرضي) هي (العلم) , الذي كان كثيراً ما يتحدد في رأي (الإمام) , فقد كانت غاية القسم (الطولي) هي (الحكمة) , التي تعددت مصادرها.. مثل ما يعرف ب (العلم اللدني) , أي عن الله ذاته , أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم – والتلقي منه يقظة أو في المنام [8] , و أبرز من ذهب إلى هذا والذي نادى ب( الحقيقة المحمدية) هو محي الين بن عربي وهناك قول بأن كتابه (الفتوحات المكية) عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة , ومنهم من ذهب إلى الإمامة , في شخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه (*-3).
والصواب أن نَصف الصوفية (الإمامة) على أنها امتداد للقسم (العرضي) حيث أنها غالبا ما تعبر عن مبادئ الإسماعيلية.. ونشير أن التلقي يقع بالكشف عبر الأئمة بالانتقال إلى الماضي , الأسبق فالأسبق حتى الوصول إلى المنبع وهو علي بن أبيس طالب رضي الله عنه , الذي يأخذ في بعض الحيان صفات الربوبية [4].. مثلما أعطت الإسماعيلية صفة الربوبية لإمام الزمان [2] [10].
وهناك اختلاف في الطريقة من حيث التلقي بين هذه وبين التي تدعي التلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم , وكذلك بين التي يدعي التلقي عن الله سبحانه وتعالى [4].. وهذا الموضوع ليس موضوعنا الآن.

ولما كانت الفلسفة والحكمة وجهان لعملة واحدة , فقد كان طبيعي الميل نحو التجريد المادي , كما رأينا عند أبي بكر الرازي [1].. لكن ولأن الحضارة الإسلامية حضارة (فكرية) أساسها (الدين), فقد كان من الطبيعي أن يرتبط – وبسرعة - هذا التجريد المادي – أو هذه الفلسفة - بالدين كبعد رابع , مثلما فعل الفارابي (874-950) الذي عمل على (تضييق حجم الفجوة بين المسلم البسيط والفلسفة)[1]. من ثم ظهرت رؤية أعمق لابن سينا (950-1037) الذي (كان متأثرا بفكر أرسطو باستعمال العقل والمنطق و الأدلة للوصول إلى ماهية الخالق) [1].
ويأتي بعد ذلك من يعمل على (فك الارتباط) وهو أبو حامد الغزالي (1058-1111) , الذي (أعلن في كتابه " تهافت الفلاسفة " فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق وصرح أن الفلسفة يجب أن يبق مواضيع اهتماماتها في المسائل القابلة للقياس والملاحظة. .) [1].
ويأتي بعد ذلك (الارتباط) من جديد.. الذي مثَل اكبر تجمُع ممكن لتلك الخيوط , والذي يمكن أن نسميه ب(المذهب الوسيط) – وصاحب هذا المذهب إذا جاز التعبير – هو ابن رشد (1126-1198), الذي (حاول التقريب بين فلسفة أرسطو والعقيدة الإسلامية.. و أنه لا يوجد تناقض بين الفلسفة والدين وأن كلاهما يبحثان عن الحقيقة ولكن بأسلوبين مختلفين.. وقام بالرد على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) بكتابه المشهور (تهافت التهافت).. وشدد على أن الفلسفة وعلم الكلام والصوفية والباطنية وغيرها من التيارات الفكرية تشكل خرا على الأشخاص الذين ليس لديهم القدرة على التفكير الفلسفي. .) [1]. بمعنى أنه يملك رؤية أكثر إدراك وشمولية من غيره من الفلاسفة السابقين , حيث أخذ يعالج تلك الإشكاليات بموضوعية وعمق في آن واحد.
وباختصار فقد مر الفكر الإسلامي – أو الخط الحضاري الإسلامي – بمراحل متعددة - أو متكررة (*-4) – سار بوجهته من جزيرة العرب نحو الشرق , ثم نحو الشمال ثم نحو الشمال الغربي , ثم نحو الغرب [3].. وخلال هذه المسيرة ظهرت دول وبرزت شخصيات لكل تيار , كانت بمثابة مرجعيات لمن بعدهم.
ومع مسيرة الفكر الإسلامي , الذي انتقل من مفهومه (الفكري) إلى المفهوم (الفلسفي).. نحو التكثُف والترسُب والتجريد – بهبوط متدرج من المثالية (*-5) - ونحو المنهجية البحتة (. .).. أي (تطورت الفلسفة الإسلامية من مرحلة دراسة المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل والتعبُد إلى مرحلة دراسة المسائل التي ينحصر إثباتها بالأدلة العقلية ولكن النقطة المشتركة عبر هذا الامتداد التاريخي كان معرفة الله وإثبات الخالق.. بلغ هذا التيار الفلسفي منعطفاً بالغ الأهمية على يد ابن رشد من خلال تمسكه بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس التجربة والمشاهدة) [1]
أي أن ابن رشد كان حلقة وصل بين حضارة الفكر الإسلامي التي أساسها (الدين) وبين حضارة الغرب المادية التي أساسها (الفلسفة).. حيث (من المفارقات التاريخية حول ابن رشد هو اختلاف وجهات النظر حوله بين المسلمين المعاصرين له وبين وجهة نظر الغرب له , فقد، وهناك اختلاف في الطريقة من حيث التلقي بين هذه وبين التي تدعي التلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم , وكذلك بين التي يدعي التلقي عن الله سبحانه وتعالى [4].. وهذا الموضوع ليس موضوعنا الآن.
ولما كانت الفلسفة والحكمة وجهان لعملة واحدة , فقد كان طبيعي الميل نحو التجريد المادي , كما رأينا عند أبي بكر الرازي [1].. لكن ولأن الحضارة الإسلامية حضارة (فكرية) أساسها (الدين) , فقد كان من الطبيعي أن يرتبط – وبسرعة - هذا التجريد المادي – أو هذه الفلسفة - بالدين كبعد رابع , مثلما فعل الفارابي (874-950) الذي عمل على (تضييق حجم الفجوة بين المسلم البسيط والفلسفة)[1]. من ثم ظهرت رؤية أعمق لابن سينا (950-1037) الذي (كان متأثرا بفكر أرسطو باستعمال العقل والمنطق و الأدلة للوصول إلى ماهية الخالق) [1]
ويأتي بعد ذلك من يعمل على (فك الارتباط) وهو أبو حامد الغزالي (1058-1111) , الذي (أعلن في كتابه " تهافت الفلاسفة " فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق وصرح أن الفلسفة يجب أن يبق مواضيع اهتماماتها في المسائل القابلة للقياس والملاحظة. [1].
ويأتي بعد ذلك (الارتباط) من جديد.. الذي مثَل اكبر تجمُع ممكن لتلك الخيوط , والذي يمكن أن نسميه ب( المذهب الوسيط) – وصاحب هذا المذهب إذا جاز التعبير – هو ابن رشد (1126-1198) , الذي (حاول التقريب بين فلسفة أرسطو والعقيدة الإسلامية.. و أنه لا يوجد تناقض بين الفلسفة والدين وأن كلاهما يبحثان عن الحقيقة ولكن بأسلوبين مختلفين.. وقام بالرد على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) بكتابه المشهور (تهافت التهافت).. وشدد على أن الفلسفة وعلم الكلام والصوفية والباطنية وغيرها من التيارات الفكرية تشكل خرا على الأشخاص الذين ليس لديهم القدرة على التفكير الفلسفي. .) [1]. بمعنى أنه يملك رؤية أكثر إدراك وشمولية من غيره من الفلاسفة السابقين , حيث أخذ يعالج تلك الإشكاليات بموضوعية وعمق في آن واحد.
وباختصار فقد مر الفكر الإسلامي – أو الخط الحضاري الإسلامي – بمراحل متعددة - أو متكررة (*-4) – سار بوجهته من جزيرة العرب نحو الشرق , ثم نحو الشمال ثم نحو الشمال الغربي , ثم نحو الغرب [3].. وخلال هذه المسيرة ظهرت دول وبرزت شخصيات لكل تيار , كانت بمثابة مرجعيات لمن بعدهم.
ومع مسيرة الفكر الإسلامي, الذي انتقل من مفهومه (الفكري) إلى المفهوم (الفلسفي).. نحو التكثُف والترسُب والتجريد – بهبوط متدرج من المثالية (*-5) - ونحو المنهجية البحتة (..).. أي (تطورت الفلسفة الإسلامية من مرحلة دراسة المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل والتعبُد إلى مرحلة دراسة المسائل التي ينحصر إثباتها بالأدلة العقلية ولكن النقطة المشتركة عبر هذا الامتداد التاريخي كان معرفة الله وإثبات الخالق.. بلغ هذا التيار الفلسفي منعطفاً بالغ الأهمية على يد ابن رشد من خلال تمسكه بمبدأ الفكر الحر وتحكيم العقل على أساس التجربة والمشاهدة) [1]
أي أن ابن رشد كان حلقة وصل بين حضارة الفكر الإسلامي التي أساسها (الدين) وبين حضارة الغرب المادية التي أساسها (الفلسفة).. حيث (من المفارقات التاريخية حول ابن رشد هو اختلاف وجهات النظر حوله بين المسلمين المعاصرين له وبين وجهة نظر الغرب له , فقد اعتبره الغرب من أهم الفلاسفة المسلمين على الإطلاق حيث ترجمت أعماله إلى اللاتينية والعبرية وأثرت أفكاره بشكل واضح على كتابات الفلاسفة المسيحيين واليهود. .) [1] [3].
بمعنى أن ابن رشد كان الرسول الناقل للخط الفكري (الحضاري والإنساني) إلى الغرب.
ونلاحظ أن الازدواجية حول ابن رشد باعتباره منتهى الفكر الإسلامي, ومبتدأ للحضارة الغربية , فإن هذه الازدواجية تجلت في (تركيا), التي كانت آخر مركز للدولة الإسلامية.. إذ قررت بعدها التوجه إلى الغرب.. ولا تزال الازدواجية جاثمة على رأسها بين الاتجاه الإسلامي و الاتجاه العلماني.. حيث أن نهاية الدولة الإسلامية (حسب ما يرى المؤرخون عام 1924 حينما قام مصطفى كمال أتاتورك بإلغائها واستبدالها بالعلمانية الغربية) [5].
ومن الملاحظ أن تأثير أفكار ابن رشد على كتابات اليهود والمسيحيين, وذلك لأن فكر التيار العقلي يتوافق مع الفكر اليهودي، وفكر التيار المادي يتوافق مع الفكر المسيحي.. [3] أي أن التيارين العقلي والمادي هما اللذان اخترقا الحجاب ودجلا إلى الغرب , لكن التيار المثالي لم يظهر أثره في الغرب , لأنه انعكس وعاد إلى موطنه بلاد العرب.. وأبرز ظهور له في العصر الحديث هو حركة التجديد التي قام بها الشيخ محمد عبد الوهاب.. وعلى إثرها قامت الحركات الإسلامية (..) فيما بعد.
ومن الملفت للنظر أن الحركات القومية العربية ظهرت بعد انتهاء دولة الخلافة الإسلامية , وهذا يدل على أن الحضارة العربية هي حضارة إسلامية.. بمعنى أن الاحتفاظ بالهوية العربية بعيداً عن الهوية الإسلامية يعني التجزؤ والشعوبية والقبلية.. أو أنه يعني العرينة (*-6) والانسلاخ من حاضرة ومظلة الدولة الإسلامية.. رمز الحماية وصمام الأمان.
وبالرغم من أن (العرب اكتشفوا ذاتهم التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالعروبة) [6] فقد ظهرت نتوء في مراحل متقدمة [6] ,كانت بمثابة السكين لسلخ الجسد.
ونشير إلى أن العروبة التي تطورت من مفهوم البداوة والقبيلة إلى مفهوم القومية العربية, تمثل تيارا رابعا وهو " التيار الحسي " الذي كان بروزه – منذ بداية ظهوره - مغاير لأفول التيار المادي. وحال العرب في الوقت الراهن أشبه بحالهم قبل البعثة.
وربما أن عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية – الوضعية , ومنها الوحدوية بأسسها (الحرية والديمقراطية والاشتراكية) - بعدد الأصنام التي كانت قبل البعثة. [7].
ويبدو لنا أن ظهور مؤتمر " آفاق البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في الوطن العربي " أشبه بحلف الفضول قبل البعثة.
ومما سبق فإنه يتجلى لنا استحالة قيام (بحث علمي تكنولوجي عربي).. لأن البلاد العربية بيئة رسالة (..), أي أن ما يمكن أن نتوقعه هو ظهور المنتظر (!!!!). ..............................................................
( *) طالعتنا جريدة " الحياة " في العدد (15964) بتاريخ 19/ 12/ 2006 ميلادية , تحت عنوان [ " مؤتمر البحث العلمي العربي " يطلق شبكات علمية ويطالب بزيادة الموازنات العربية للبحوث ]. وكان عرض الموضوع أشبه بمهرجان كرنفالي صاخب, وذلك لما فيه من بنود وتوصيات.. حيث تمخض عن المؤتمر إطلاق ست شبكات مختلفة في مجالات العلوم والتكنولوجيا وتقنية المعلومات.. لاسيما أن المؤتمر كان تحت عنوان " آفاق البحث العلمي والتطوير التكنولوجي في الوطن العربي ".. وباختصار فإننا نرى استحالة قيام مثل هذه المشاريع في وطننا العربي.. لماذا ؟ الإجابة في هذا البحث البسيط والمختصر. !
(*-2) تُقسم الفلسفة اليونانية إلى خمسة مذاهب (المذهب العقلي والمذهب المثالي والمذهب المادي والمذهب الحسي، والمذهب الوسيط) ولن نفندها , كما لن نقارنها بالتيارات.. حيث أنالوقت لن يسعنا، كما أن قرينتها هنا غير مجدية بالشكل المطلوب.
(*-3) حاولنا طرح هذا الموضوع وكذلك الموضوع الثاني – موضوع الجندر – بموضوعيه وشفافية ودون تحيز , لدرجة أنني حاولت تقمص أسلوب المستشرق الذي ينقل تصُو ره (..) من نقطة بعيدة, مجرَدة من العاطفة.
(*-4) على أساس فرضية (الانتقال الحضاري).. نحن بصدد كتابة موضوع بعنوان (نعم العلمانية علمية.. لماذا ؟) نوضح فيه سلسلة العلم (المادي) من بدايتها وحتى منتهاها إنشاء الله.
(*-5) أيهما الأساس التيار المثالي أم التيار العقلي ؟ إذا كان التيار العقلي الذي كانت بدايته (علم الكلام) وأن (جذور علم الكلام يرجع إلى الصحابة والتابعين ويورد البعض على سبيل المثال رد بن عباس وبن عمر.. على المعتزلة, ورد علي بن أبي طالب على الخوارج..) [1] فإن التيار المثالي يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه.. كما رأينا.
(*-6) هذه العرينة (الحسية) على المستوى (الفكري)، وسنرى العرينة (الحسية) على المستوى (المادي) في الموضوع الثاني.

المصادر :
1- فلسفة إسلامية – ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
2- (تكوين العقل العربي) محمد عابد الجابري (الناشر ك مركز دراسات الوحدة العربية).
3- (قصة التصور).. بحث لنا لم يُنشر بعد, وفيه عدة مقارنات بين التيارات الثلاثة.
4- (محاولة لفهم الكون) بحث لنا لم يُنشر بعد.. وفيه رسم توضيحي لهذه التشعُبات.
5- خلافة إسلامية – ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
6- (العروبة والإسلام.. نظرة جديد إلى جدال الوفاق والافتراق) ج. الحياة 19/5/2007 (16115).
7- (بين الحداثة المزعومة والأصولية المرجوة) بحث لنا لم ينشر بعد.
8- (مصادر التلقي عند الصوفية) ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
9- (رابطة الشبكة العالية لدراسة الحديث) (إحسان).
10- (سرائر وأسرار النطقاء) (ت: جعفر منصور اليمن) (تحقيق: مصطفى غالب) الناشر: دار الأندلس للطباعة والنشر.
ملاحظة:نشر هذا الموضوع في جريدة الحياة في العددين (16189)و(16194).

ليست هناك تعليقات: